bahre farsi-الخلیج الفارسی= بحر فارس بحرالفارسی.300کتب عربی تراثی ذکر خلیج الفارسی

اعلان فرض الحصار الدرامی غیر المسبوق على "قطر"،

لا یمکننا أن نجزم هل کان الخامس من (یونیو/حزیران) لعامنا الحالی تاریخًا مقصودًا بذاته، من قبل الثلاثی الخلیجی، لإعلان فرض الحصار الدرامی غیر المسبوق على "قطر"، أم أنها کانت فحسب إحدى مفارقات التاریخ الساخرة التی کثیرًا ما تذهب طی النسیان. فی مثل ذلک التاریخ قبل 18 عامًا، وتحدیدًا عام 1999، کان وزیر الدفاع السعودی الأمیر "سلطان بن عبد العزیز"، الرجل الثانی فی المملکة بعد ولی العهد آنذاک الأمیر "عبد الله"، یجاهد للسیطرة على انفعالاته الواضحة فی إحدى الإطلالات الصحفیة نادرة الحدوث لأمیر مخضرم، لا یشعر بالألفة فی حضرة وسائل الإعلام، شأنه شأن أبناء جیله من الأمراء السعودیین. کان جلیًا أن ما یحدث هو أمر خطیر وغیر مألوف استدعى إثارة کل هذا الغضب من أمیر یعرف الجمیع أنه ولی العهد المنتظر للبلاد، وحامل أختام قوتها العسکریة، والکثیر من مفاتیحها السیاسیة أیضًا.

 

على عکس ما قد یتبادر للأذهان للوهلة الأولى، فإن المسألة المثارة کانت خلیجیة بامتیاز، وکان تهدید إحدى دول مجلس التعاون بالانسحاب منه تجاوزًا غیر مسبوق فی الأعراف الخلیجیة، فضلًا عن إشاعة خلافات البیت الداخلیة إلى العلن. ولکن أبوظبی لم تفعل ذلک فحسب، ولکنها قامت، للمرة الأولى ربما، بتقدیم شکوى ضد الریاض لدى الولایات المتحدة عبر الحدیث إلى "مارتن إندیک"، وکیل وزارة الخارجیة الأمیرکیة، معربة عن غضبها من سلوک السعودیة، ومتهمة إیاها بالتخلی عنها فی نزاعها مع إیران حول ثلاث جزر إستراتیجیة(1)، سیطرت علیها طهران مطلع السبعینیات، وموضحة أن التخلی جاء کثمن لرغبة القیادة السعودیة فی الاستجابة لإشارات التقارب القادمة من الضفة الفارسیة.

 

بالنسبة للقیادة السعودیة، کان السلوک الإماراتی تجاوزًا واضحا للخطوط الحمراء(2)، لذا فإنه کان کافیًا لاستفزاز الأمیر "سلطان" لشن هجوم حاد علنی على أبوظبی، متهما إیاها بإثارة "نزاعات صبیانیة"، ومطلقًا علیها وصف دولة "نصف إیرانیة"، حیث تقوم بنصف معاملاتها التجاریة مع طهران، کما أن "نصف سکانها من الإیرانیین أو ذوی الأصول الإیرانیة"، وفقا لما قاله "سلطان" آنذاک.

 

 الشیخ حمد بن خلیفة آل ثانی والشیخ زاید آل نهیان 1999 (رویترز)

 

بید أن الأمیر المخضرم لم یعرف أنه کان یلعب النرد مع التاریخ فی حدیثه الصاخب ذلک الیوم. فبخلاف مصادفة التاریخ المشؤوم، وحتى بغض الطرف عن حجم المفارقة فی موضع النزاع نفسه، والذی کان متعلقًا، للغرابة، برغبة السعودیة فی التقارب مع إیران، ودفاع أکثر أمراء المملکة تشددًا ضد طهران عن هذا التقارب باعتباره یصب فی مصلحة دول الخلیج، فإن أمیر قطر السابق "حمد آل ثانی" المغضوب علیه وعلى بلاده الیوم من قبل فرقاء الأمس بدعوى علاقته بطهران، کان هو من قاد جهود الوساطة والصلح بین الغریمین(3)، أبوظبی والریاض، عبر سلسلة متتالیة من الزیارات المکوکیة بینهما.

 

لم یکن ذلک التصادم الصارخ أکثر من قمة جبل جلیدی لنزاع متجدد، وعمیق الجذور، بین المملکة الکبیرة المحافظة وجارتها الصغیرة الأکثر تحررًا. وکانت صافرة التصادم قد أطلقت بالفعل قبله بعدة أشهر من نفس العام المذکور 1999، وتحدیدًا فی (مارس/آذار)، وفی موطن یعرفه السعودیون والإماراتیون جیدًا: "خور العدید". کانت الریاض تستعد لتدشین حقل "شیبة" النفطی، فی محفل کبیر توافد إلیه وزراء الدول النفطیة حول العالم، وقادة شرکات النفط ورموز المراکز المالیة العالمیة، فی غیاب وجه مألوف للغایة بالنسبة للجمیع، لم یکن سوى وزیر النفط الإماراتی وقتها "عبید سیف الناصری".

 

لم یکن "الناصری" هو الوزیر الخلیجی الأوحد الذی تغیب عن مراسم تدشین الحقل السعودی فحسب، ولکن بلاده ذهبت إلى أبعد من ذلک، بمقاطعة مؤتمر وزراء الخارجیة والنفط لدول مجلس التعاون الخلیجی، مؤتمر أقیم على خلفیة تدشین الحقل الکبیر الذی تطالب أبوظبی بحقوقها فیه، معلنة تجدد صراع تاریخی یضرب بجذوره فی أعماق الجغرافیا السیاسیة فی المقام الأول. وفی حین لم تصمد مغامرة التقارب الإیرانی السعودی طویلًا(4)، مع رحیل "محمد خاتمی"، وقدوم "أحمدی نجاد" إلى قمة سلطة طهران السیاسیة، فإن نزاع الغریمین الخلیجیین لم یتوقف، خاصة بعد رحیل رئیس الإمارات الأول ومؤسسها الشیخ "زاید آل نهیان"، ومرور الحکم إلى أبنائه، الرئیس "خلیفة بن زاید"، وولی العهد وحاکم الإمارات الفعلی "محمد بن زاید"، ووزیر الخارجیة "عبد الله بن زاید" وإخوتهم، والذین بدوا منذ اللحظة الأولى أقل تسامحًا فی مواجهة الهیمنة الأبویة التقلیدیة للریاض على مجلس التعاون الخلیجی، وأقل استعدادًا للتنازل عما یرونها "حقوقًا تاریخیة" انتزعتها الریاض عنوة فی لحظة ضعف تاریخیة للإماراتیین. رفض هیمنة رافق السیاسات الإماراتیة العلیا حتى الیوم.

 

التمرد

"الإمارات والسعودیة خاضا 57 معرکة ضد بعضهما البعض خلال الـ 250 عامًا الماضیة. السعودیون لیسوا أصدقائی الأعزاء، لکننی مضطر إلى التعاون معهم"

(ویکیلیکس، نقلًا عن "محمد بن زاید" بتاریخ 31 (یولیو/تموز) 2006)

 

فی عام 2001، بثت قناة الجزیرة القطریة شهادة تاریخیة، أثارت ضجة واسعة، للأمیر السعودی المتمرد "طلال بن عبد العزیز" فی البرنامج الشهیر "شاهد على العصر". تناول خلالها وقائع تاریخیة رآها القادة السعودیون إساءة للملک المؤسس والد الأمیر "طلال"، على شاکلة تلقیه أموالًا وأسلحة من البریطانیین. تسببت الشهادة فی اندلاع أزمة دبلوماسیة بین المملکة العربیة السعودیة وقطر، سحبت على إثرها الریاض سفیرها من الدوحة لستة سنوات کاملة فی عام 2002. على الطرف الآخر، کانت المفاجأة هی أن "محمد بن زاید" ولی عهد أبوظبی لم یر الخلاف السعودی القطری أکثر من "مشکلة عابرة"، نظرًا لاشتراک البلدین فی "الجذور الوهابیة" من وجهة نظره. وفی حوار له مع الدبلوماسی الأمیرکی ریتشارد هاس عام 2003 سربته ویکیلیکس لاحقًا(5)، رأى "ابن زاید" أن النزاع الأکبر فی الخلیج یدور بین بلاده والریاض، ویتعلق بالمقام الأول بحقل "شیبة" النفطی.

 

   الأمیر طلال بن عبد العزیز فی برنامج شاهد على العصر

 

ومع تجاوز النزاع النفطی کعنوان حدیث نسبیًا للخلاف، فإن نظرة "ابن زاید" المرتابة تجاه السعودیة تضرب بعمقها فی بعدی التاریخ والأیدیولوجیا، وهی تستند إلى تاریخ من العداوة المذهبیة بین القبائل الوهابیة فی نجد، والتجار المالکیین فی الإمارات، منذ النصف الثانی من القرن الثامن عشر، قبل حتى أن یبدأ الصراع الفعلی بین آل سعود و آل نهیان فی عام 1810، عندما سیطر "آل سعود"، الذین کانوا یسیطرون بالفعل على معظم شرق شبه الجزیرة العربیة، على واحة "البریمی"، البیت التقلیدی لآل نهیان، ولؤلؤة الرعاة والصیادین فی هذا التوقیت، ولیبسطوا سیطرتهم علیها لقرابة 150 عامًا. ومع هذا التاریخ من التنافس المذهبی والعداء القبلی، کان من الطبیعی أن تفرض النزاعات الحدودیة نفسها بعد اکتشاف النفط فی شبه الجزیرة العربیة عام 1932، وبدایة ترسیم الحدود فی شرق الجزیرة لاحقًا بعد ثلاثة أعوام.

 

ظل التجاذب بین الطرفین مستمرًا حتى مطلع السبعینیات، یشتعل حینًا ویخفت حینًا، تتخلله المناوشات والمفاوضات وسیاسة العُصی والجزر. ففی عام 1952، على سبیل المثال، وبعد 20 عامًا من تأسیس الدولة السعودیة الثالثة، وقبل 20 عامًا أیضًا من قیام الدولة الإماراتیة التی کانت قبائلها لا تزال خاضعة للوصایة البریطانیة، رفض الشیخ زاید آل نهیان(6)، نجل حاکم أبوظبی فی ذلک التوقیت، رشوة بقیمة 42 ملیون دولار من السعودیة مقابل التخلی عن مطالبات أبوظبی باستعادة واحة "البریمی"، وهی الرشوة التی سجلت فی موسوعة غینس آنذاک کأکبر رشوة فی التاریخ على الإطلاق.

 

ظلت "معاهدة جدة" قید السریة حتى عام 1995، وخلال هذه الفترة فشلت عشرات المحاولات من الشیخ زاید للتفاوض مع الملک "خالد"، ومن بعده الملک "فهد"، لاستعادة حقوق أبوظبی فی حقل "شیبة"، الذی یقع 20% منه فی الأراضی الإماراتیة، فضلًا عن استعادة الاتصال البری مع قطر عبر "خور العدید"
 

على مدار الأعوام التالیة، شهدت "البریمی" نزاعات عسکریة متعددة، وتبادل کلی وجزئی للسیطرة بین الطرفین حتى عام 1968 مع رحیل بریطانیا، حیث سارع الملک السعودی "فیصل" لبسط سیطرته على الواحة، فی محاولة لفرض الأمر الواقع على الإمارات المتصالحة التی کانت تخوض مفاوضات أولیة لتشکیل دولتها الجدیدة. ومع إعلان تأسیس دولة الإمارات مطلع السبعینیات، کانت أبوظبی تشعر بالامتعاض بسبب تعمد السعودیة تجاهل الحکومة المرکزیة الناشئة، وإصرارها على التعامل بشکل منفصل مع کل إمارة فی محاولة لإضعاف وحدة الاتحاد. ونکایة فی "زاید"، قام الملک فیصل بتزوید قوات الأمن الناشئة فی إمارة "رأس الخیمة" بالمستشارین والمدربین بعیدًا عن مظلة أبوظبی، کما حافظت الریاض على علاقاتها التجاریة مع إمارات الشارقة ورأس الخیمة ودبی، واحتکرت توظیف القضاة فی هذه الإمارات، فضلًا عن سیاستها المعتادة بإنشاء المراکز السعودیة التقلیدیة للدعوة والإرشاد.

 

أسهمت السیاسات السعودیة فی تقویض الحکومة المرکزیة الجدیدة فی أبوظبی، والتی أیقنت أنها بحاجة ماسة إلى الاعتراف السعودی من أجل رفع ید الریاض عن إمارات الاتحاد، وهو ما دفع الشیخ زاید عام 1974إلى توقیع اتفاقیة جدة(7)، والتی وافقت السعودیة بموجبها على الاعتراف بالاتحاد الإماراتی والتنازل عن سیطرتها على واحة "البریمی"، مقابل اعتراف أبوظبی بأحقیة السعودیة فی منطقة "خور العدید" على الحدود بین أبوظبی وقطر والسعودیة، مضحیة بذلک بنقطة الاتصال البری الوحیدة بین الإمارات وقطر، ومتنازلة عن حقوقها فی استخراج النفط من حقل "شیبة" الضخم، الذی صار 80% منه واقعًا تحت سیطرة السعودیة بحکم الترسیم الحدودی الجدید.

 

ظلت "معاهدة جدة" قید السریة حتى عام 1995، وخلال هذه الفترة فشلت عشرات المحاولات من الشیخ زاید للتفاوض مع الملک "خالد"، ومن بعده الملک "فهد"، لاستعادة حقوق أبوظبی فی حقل "شیبة"، الذی یقع 20% منه فی الأراضی الإماراتیة، فضلًا عن استعادة الاتصال البری مع قطر عبر "خور العدید". ومع وفاة الشیخ زاید فی (نوفمبر/تشرین الثانی) 2004، قامت القیادة الإماراتیة الجدیدة على نحو متزاید، وبصورة علنیة، بالإفصاح عن رغبتها فی إعادة النظر فی أجزاء من اتفاقیة عام 1974، التی یعتقد "محمد بن زاید" أن والده وقع علیها بالإکراه مقابل الاعتراف بالأمة الجدیدة، ولم یقم الاتحاد الإماراتی بالتصدیق علیها کما ینص دستور البلاد. ورغم أن معاهدة السبعینیات لم تتناول ترسیم میاه "خور العدید"، حیث لا تزال الحدود البحریة بین الإمارات والسعودیة غیر محددة إلى الآن، إلا أن الریاض قامت فی عام 2005 بتعطیل مشروع طرحته القیادة الإماراتیة الجدیدة لإنشاء جسر یربط أبوظبی بقطر فوق میاه "خور العدید"، ما تسبب فی إغضاب الرئیس "خلیفة بن زاید" وولی عهده "محمد"، غضب دفع القیادة الإماراتیة إلى نقل تراشقها مع السعودیة من تلک المحطة إلى طور جدید غیر مسبوق.

 

الوشایة

جاء الرد الإماراتی عام 2006 فی الکتاب السنوی الذی تصدره الدولة للتعریف بنفسها. وقد شمل کتاب ذلک العام خریطة تصور حدود أبوظبی ممتدة من حدود قطر الجنوبیة بما یشمل "خور العدید"، ما مثل رفضًا موثقًا وصریحًا لاتفاق جدة. ولم تکتف الإمارات بذلک فحسب، ولکنها سارعت إلى طباعة الخریطة الجدیدة على ظهر بطاقة الهویة الخاصة بالدولة.

 

 

فی عام 2009، صعّدت الإمارات من تمردها على القیادة السعودیة لمجلس التعاون الخلیجی، حین بادرت إلى الانسحاب من الاتحاد النقدی الخلیجی، وهی اتفاقیة کانت تهدف لإصدار عملة خلیجیة موحدة، اعتراضًا من أبوظبی على تمسک الریاض باستضافة البنک المرکزی الخلیجی المقترح(8)، التشبث الذی فسرته أبوظبی بأنه مساعٍ معتادة من الریاض للهیمنة على التکتل الخلیجی. کانت تلک الخطوة هی التی فجرت من جدید برکان العداء المکتوم بین الطرفین، حین استجابت السعودیة لاحقًا بتعطیل عبور أکثر من ألفی شاحنة إماراتیة کانت متجهة إلى السعودیة وقطر عبر معبر "الغویفات"(9)، ما تسبب فی تلف الکثیر من محتویاتها. کما قامت باستثناء الإماراتیین من مبادرة الدخول المتبادل بین دول الخلیج باستخدام بطاقات الهویة ولیس جوازات السفر، بدعوى أن تصمیم الخریطة على ظهر بطاقة الإمارات لا یتطابق مع الحدود المقررة بموجب معاهدة جدة، قبل أن یتطور الخلاف مطلع عام 2010 إلى تصعید غیر مسبوق، حین قامت البحریة الإماراتیة بفتح النار على زورق سعودی صغیر زعمت أنه اخترق المیاه الإماراتیة فی "خور العدید"(10)، وتم أسر البحارة السعودیین فی أبوظبی لعدة أیام قبل أن یتم تسلیمهم إلى السفارة السعودیة.

 

بید أن سیاسة "اللا تسامح" الإماراتیة فی التعامل مع السعودیة، والتی مثلت قطعیة واضحة ومتعمدة مع إرث زاید الأب، لم تکن ولیدة محض إستراتیجیة جدیدة لأبناء زاید الساعین إلى إثبات وجودهم على طریقتهم الخاصة، بقدر ما کانت تعبر عن إرث واضح من عدم الثقة التی تصل إلى حد الاحتقار من قبل أبناء زاید، وعلى وجه الأخص ولی عهد أبوظبی الحالی، تجاه السعودیین. فمنذ صعوده إلى ولایة العهد مع تولی أخیه "خلیفة" حکم البلاد عام 2004، لم یفوت محمد بن زاید أی فرصة لإظهار اشمئزازه من النظام السعودی، ومحاولة قلب الطاولة علیه فی لقاءاته مع المسؤولین الأمیرکیین، الذین یجد بن زاید أریحیة غیر معهودة فی الحدیث حول أفکاره معهم، وفقما ظهر فی عشرات البرقیات التی سربتها ویکیلکس، وقمنا بالاطلاع علیها فی میدان بشکل مستقل.

 

 

"مجموعة من الأمراء الهرمین عدیمی الکفاءة القادمین من الماضی، وغیر القادرین على التغییر، ونظام فاسد یتم التحکم به من قبل رجال الدین، وشعب ینتظر الولایات المتحدة لتغیر له حکومته، ومنبع خصب لتصدیر الإرهاب والتطرف": تلک هی صورة القیادة والشعب السعودی من وجهة نظر ولی عهد أبوظبی کما أظهرتها برقیات ویکیلیکس. فضلًا عن الازدراء الشخصی الذی أظهره "محمد بن زاید" لبعض کبار الأمراء فی السعودیة، وعلى رأسهم ولی العهد الأسبق الأمیر "نایف بن عبد العزیز"، الذی شبهه "ابن زاید" بالقرد فی أحد البرقیات.

 

وبخلاف هذه النظرة التی یغلب علیها الازدراء لکل ما هو سعودی، تظهر أحادیث ولی عهد أبوظبی ووزیر خارجیته الکثیر من القلق الأیدیولوجی الخاص حول نفوذ رجال الدین السعودیین، لیس فی المملکة العربیة السعودیة فحسب، ولکن فی الإمارات نفسها. واستنادًا إلى هذا القلق، فإن "محمد بن زاید" سارع إلى استثمار فرصة الخلاف الأمیرکی السعودی، بعد أحداث الحادی عشر من (سبتمبر/أیلول)، للتعریض بالنظام السعودی لدى واشنطن، بدایة من التلویح بخضوع قرارات المسؤولین السعودیین لتأثیر رجال الدین "المتطرفین" کما قال، وصولًا إلى الإفصاح عن مخاوفه الشخصیة من امتداد هذا التأثیر إلى بلاده حتى الجیش الإماراتی نفسه، الذی ظل "ابن زاید" یعتقد أنه ربما یکون أکثر ولاءً لرجال الدین السعودیین من ولائه للقیادة الإماراتیة.

 

تظهر أحادیث "ابن زاید" الفیاضة إلى المسؤولین الأمیرکیین أیضًا أنه لا یفرق کثیرًا بین الخطر الأیدیولوجی الذی تمثله جماعة "الإخوان المسلمین"، وبین "السلفیة الوهابیة"، ففی حین أن "جون جینکیز"، السفیر البریطانی السابق لدى السعودیة والإمارات، یرى أن "محمد بن زاید" هو أکثر من یکره الإخوان المسلمین فی العالم، فإن المسؤولین الأمیرکیین فی سفارة أبوظبی کانوا یرون أن السعودیین هم ثانی ألد أعداء "ابن زاید" بعد إیران(11)، أو بتعبیر "ابن زاید" نفسه "لیسوا حلفائی ولکنی مضطر إلى التعامل معهم".

 

الاختراق

"تبنى بن زاید، أحد أغنى الرجال فی دول الخلیج، الأمراء بندر ومتعب ورئیس الدیوان الملکی خالد التویجری، الذی عمل أیضًا کحاجب، یقرر من یحظى بلقاء الملک ومن یتم رفضه، وأنفق بن زاید علیهم أموالًا ضخمة"

("تسفی برئیل"، محلل الشؤون العربیة فی صحیفة هآرتس)

 

بخلاف نظرة "الاشمئزاز" الإماراتیة تجاه القیادة السعودیة "الهرمة"، والتی کشفتها أحادیث حکامها العفویة مع المسؤولین الأمیرکیین، لا یفوت ولی عهد أبوظبی "محمد بن زاید"، ولا حاکم دبی "محمد بن راشد آل مکتوم"، الیوم أی فرصة من أجل الإشادة بالعاهل السعودی الملک "سلمان عبد العزیز"، البالغ من العمر 81 عامًا، وقیادته. على سبیل المثال، قام "محمد بن راشد" العام الماضی بإطلاق اسم الملک "سلمان" على شارع الصفوح(12)، أحد أبرز شوارع دبی، فی لفتة احتفاء واضحة. ولکن هذا الفصل من الغزل السیاسی العلنی الذی نشاهده الیوم لا یمکن أن یُفسر لماذا کان "ابن راشد" و"ابن زاید" نفسیهما أبرز الغائبین عن جنازة العاهل السعودی الأسبق "عبد الله بن عبد العزیز"، فیما بدا أنه لفتة احتجاجیة موجهة ضد الملک الجدید، "سلمان" نفسه.

 

 

لم یکن "محمد بن زاید" یشعر بالکثیر من الرضا حول ما جرى فی السعودیة صبیحة ذلک الیوم، حیث ظهر أن أوامر العاهل السعودی الجدید قد أطاحت بکل ما خطط له حاکم الإمارات الفعلی على مدار أکثر من عامین(13). فأولًا تم طرد رجل "ابن زاید" الأول فی السعودیة: "خالد التویجری" رئیس الدیوان الملکی، مباشرة قبل دفن الملک الرحل، وکانت الضربة الأکبر هی تعیین الأمیر "محمد بن نایف"، نجل الأمیر "نایف" الذی شبهه بن زاید بالقرد یومًا، وخصم "ابن زاید" الأکبر فی المملکة، فی منصب ولی ولی العهد السعودی، وتم تهمیش الأمراء المقربین من ولی عهد أبوظبی فی ذلک التوقیت، وعلى رأسهم الأمیر "متعب بن عبد الله"، نجل العاهل السعودی الراحل وقائد الحرس الوطنی، والذی کان یُعد لخلافته.

 

وجدت الریاض وأبوظبی نفسیهما فی سفینة واحدة من جدید لأول مرة منذ زمن طویل. بید أن ولی عهد أبوظبی کان أکثر حرصًا على ألا یکون السعودیون ربان تلک السفینة کما کان الأمر فی عهد والده (الأوروبیة)

 

کانت خطة تصعید "متعب بن عبد الله" قد تمت هندستها من قبل "خالد التویجری"(14)، رجل البلاط الأول فی عهد الملک الراحل، وأحد مهندسی التقارب بین الریاض وأبوظبی على خلفیة الربیع العربی. دفعت الانتفاضات العربیة غرماء الأمس إلى نسیان خلافاتهما وزیادة التعاون العسکری والأمنی بینهما على خلفیة التهدیدات المشرکة لعروشهما، حیث نشرت الإمارات والسعودیة قواتهما معًا تحت مظلة درع الجزیرة، 1000 جندی سعودی و500 جندی إماراتی، فی البحرین فی عام 2011 لتقدیم الدعم لأسرة آل خلیفة الحاکمة، وتعاونا معًا فی لیبیا والیمن. وفی کثیر من هذه الحالات، کان هذا التعاون یتجاوز بکثیر الاتفاقات البروتوکولیة التی یدعو إلیها مجلس التعاون الخلیجی.
 

فی عام 2013، أسس البلدان أکادیمیة الخلیج للدراسات الإستراتیجیة والأمنیة، وهو مرکز فکری مختص بالشؤون الأمنیة تم تکلیفه بوضع مبدأ أمن إقلیمی، ویقع مقره فی أبوظبی. کما ناقش البلدان مشروع تطویر شرطة خلیجیة مشترکة "إنتربول خلیجی"، وکان القرار السعودی بدعم استضافة الإمارات لهاتین الهیئتین محاولة واضحة للتغلب على مخاوف الهیمنة السعودیة التی ظهرت قبل أعوام خلال تجربة الاتحاد النقدی(15).

 

بفضل المخاوف المشترکة، وجدت الریاض وأبوظبی نفسیهما فی سفینة واحدة من جدید لأول مرة منذ زمن طویل. بید أن ولی عهد أبوظبی کان أکثر حرصًا على ألا یکون السعودیون ربان تلک السفینة کما کان الأمر فی عهد والده، لذا فإن "ابن زاید" عمد إلى تعزیز نفوذه من خلال رجال نافذین فی البلاط الملکی مثل "التویجری"، ومن خلال بناء علاقات مع بعض الأمراء السعودیین النافذین مثل رجل الاستخبارات الأول "بندر بن سلطان"، الذی منح استثمارات تقدر بالملایین فی أبوظبی، وکذا "متعب بن عبد الله"، نجل الملک وأقوى شخص فی البلاد فی ذلک التوقیت.

 

لم یکن مستغربًا إذن أن یشعر الإماراتیون بالاستیاء من عودة السدیرین(16)، وعلى رأسهم "محمد بن نایف"، لتصدر المشهد فی المملکة من جدید، وهو ما عکسه التمثیل المتدنی للقیادة الإماراتیة فی جنازة الملک الراحل، وکذا تغطیة وکالة الأنباء الرسمیة الإماراتیة للقرارات الملکیة آنذاک، حیث شککت فی صحة تعیین "محمد بن نایف" ولیاً لولی العهد، وقالت إن سلمان لم یستشر هیئة البیعة فی ذلک، وإن اختیار محمد بن نایف من بین العدید من الأحفاد المهمین أثار انتباه المراقبین، وکذا قیام وسائل الإعلام المصریة التی تتلقى تمویلًا من أبوظبی بتبنی روایة مشابهة.

 

انهار کل شیء فجأة إذن وبجرة قلم. کان ولی عهد أبوظبی یهدف إلى تشکیل ائتلاف سعودی إماراتی(17)، من أبناء جیل الشباب، لفرض خطته السیاسیة فی المنطقة، تمامًا کما فعل فی بلاده حین أحکم قبضته على السلطة من خلال بناء علاقات مع أبناء جیله من الأمراء، مثل "محمد بن راشد"، بهدف تجاوز الخلافات التاریخیة بین الآباء. ولکن الآن جاء الملک سلمان لیطیح بلوبی "ابن زاید" فی السعودیة، أو ما وصفها "تسفی برئیل" محلل الشؤون العربیة فی صحیفة هآرتس العبریة بأنها "عصبة ابن زاید المتآمرة"، لتدخل العلاقات على مدار أسابیع أحد منعطفاتها الأسوأ فی التاریخ، قبل أن یتدخل القدر لیحیی من جدید طموحات الإماراتیین، من باب لم یکن متوقعًا وفی القلب من القیادة السعودیة الجدیدة التی لم تکن، للوهلة الأولى، متوافقة بأی شکل مع أبوظبی.

 

لا یعرف بالتحدید متى وکیف تطورت العلاقة بین ولی عهد أبوظبی، وبین وزیر الدفاع السعودی وولی العهد الحالی الأمیر "محمد بن سلمان"، إلا أن تقاریر أشارت إلى قمة کامب دیفید الخلیج خلال عام 2015

واس

 

الهیمنة

"إلى أی حد یمکن لرجل قوی أن یغیر بلدًا؟" کان هذا هو السؤال الذی طرحه الباحث الأمیرکی شادی حمید فی مقاله فی مجلة "ذی أتلانتیک" الشهر الماضی حول العلاقة بین الرئیس الترکی رجب طیب أردوغان وبلاده(18). بینما السؤال الذی یتعین علینا أن نطرحه الیوم على وجه الدقة هو: إلى أی مدى یمکن لرجل قوی أن یغیر بلدًا جارة أکثر قوة، من الناحیة النظریة على الأقل، من قلب بلده؟

 

یُفضل "محمد بن زاید" أن یکون محظوظًا على أن یکون أکثر ذکاءً کما أسر بنفسه إلى أحد المسؤولین الأمیرکیین، ویبدو أنه ما قاله کان یحمل قدرًا من الصدق. ففی الوقت الذی بدا فیه أن نفوذ "ابن زاید" فی السعودیة انهار فجأة، بعد أن عامله نظام الریاض کمسؤول من الدرجة الثانیة، ورفض استقباله فی المملکة لمناقشة التدابیر النهائیة لعملیة عاصفة الحزم لمدة 10 أیام کاملة(19)، فی (مارس/آذار) من العام 2015، واکتفت بمشارکة رمزیة إماراتیة فی حرب الیمن، کان الکثیر من الحظ مطلوبًا حتى یعثر "ابن زاید" على فتاه الجدید فی الریاض، فی القلب من النخبة الحاکمة الجدیدة التی لم تکن بأی حال صدیقة لأبوظبی.

 

تتقهقر الریاض التی طالما تولت زمام التحکم فی الخلیج الیوم إلى المقعد الخلفی، وصارت مضطرة للاستسلام إلى خطط أبوظبی فی جنوب الیمن، بما فی ذلک القبول بنفوذ رجال "ابن زاید". وربما لا یمانع "ابن سلمان" الیوم فی دفع جزء من حصة العرش فی الیمن، فضلًا عن إقدامه على توجیه ضربة لمجلس التعاون الخلیجی بحصار قطر
 

لا یعرف بالتحدید متى وکیف تطورت العلاقة بین ولی عهد أبوظبی، وبین وزیر الدفاع السعودی وولی العهد الحالی الأمیر "محمد بن سلمان"، إلا أن تقاریر صحفیة أشارت إلى أن إشارات التقارب بین الرجلین نشأت فی قمة کامب دیفید الخلیج خلال عام 2015، فی وقت لم تکن فیه العلاقات السعودیة الإماراتیة فی أفضل أحوالها، وهی العلاقة التی یبدو أنها تعززت مع زیادة مشارکة الإمارات فی حرب الیمن، واقتراب "ابن سلمان" من العرش مع تعیینه ولیا لولی العهد فی (أبریل/نیسان) لنفس العام 2015. ویبدو أن العلاقة تطورت أسرع مما یظن الجمیع، فلم یکد عام 2015 ینتصف حتى کان "ابن زاید" یروج لـ "ابن سلمان" لدى الإدارة الأمیرکیة، فی محاولة ربما للالتفاف على خصمه "محمد بن نایف". فی ذلک التوقیت، تولت "سوزان رایس"، مستشارة الأمن القومی فی إدارة أوباما، رئاسة وفد صغیر من کبار المسؤولین فی البیت الأبیض لزیارة "ابن زاید" فی منزله فی ماکلین بولایة فرجینیا(20). وخلال الاجتماع، وفقًا للعدید من المسؤولین الذین حضروا، فقد حث "ابن زاید" المسؤولین الأمیرکیین على تطویر علاقتهم مع "ابن سلمان".

 

یصف الباحثون والصحفیون الیوم العلاقة بین "ابن سلمان" و"ابن زاید" بأنها أشبه ما یکون بعلاقة التلمیذ بأستاذه(21). هی أبویة جدیدة إذن باستثناء أن الأب هذه المرة یقع فی أبوظبی ولیس فی الریاض. وللوهلة الأولى لا یمکن تجاهل البصمات الإماراتیة الواضحة التی ینتهجها "ابن سلمان" فی السعودیة، بدایة من ملامح برنامجه الاقتصادی، مرورًا بطموحاته العسکریة، وصولًا إلى الاهتمام بتسویق نفسه فی واشنطن، واتخاذ قفزات إیجابیة ملحوظة فی العلاقة مع "تل أبیب" خلال فترة زمنیة قصیرة(22)، ولیس نهایة بتقلیم التأثیر التاریخی لرجال الدین فی السعودیة، عبر تقلیص نفوذ الهیئة والتضییق على الدعاة الأکثر نفوذًا.

 

یبدو أن الوصفة تنجح إلى الآن(23)، فالأمیر الشاب، حلیف أبوظبی، صار على بعد خطوة واحدة من تولی العرش بعد أن نجح فی الإطاحة بغریمه من السلطة، وهو یحظى بقبول کبیر لدى الإدارة الأمیرکیة الجدیدة، وهو یدین بالکثیر من الفضل فیه لأستاذه. لکن لا شیء یأتی بلا بثمن، وفی کثیر من الأحیان یکون الثمن باهظًا.

 

تتقهقر الریاض التی طالما تولت زمام التحکم فی الخلیج الیوم إلى المقعد الخلفی، وصارت مضطرة للاستسلام إلى خطط أبوظبی فی جنوب الیمن، بما فی ذلک القبول بنفوذ رجال "ابن زاید" هناک على حساب الرئیس هادی الذی تدعمه الریاض نفسها. وربما لا یمانع "ابن سلمان" الیوم فی دفع جزء من حصة العرش فی الیمن(24)، فضلًا عن إقدامه على توجیه ضربة لمجلس التعاون الخلیجی بحصار قطر. تکتمل الیوم دورة کاملة فی العلاقات السعودیة الإماراتیة، بدأت بتمرد جیل جدید من الحکام فی الإمارات على الهیمنة السعودیة التاریخیة، وانتهت إلى لحظة من نشوة القوة لدى أمیر إماراتی خمسینی، یفخر الیوم أنه نجح فی توظیف شبکة من الأموال والمؤامرات المظلمة من أجل التلاعب بنصف أنظمة المنطقة العربیة على الأقل، ویبدو أن الریاض حتى الآن لم تکن استثناءً من ذلک.

http://jomhouriat.ir/fa/news/80518/%DA%86%D9%86%D8%AF-%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1%DB%8C%D9%88%DB%8C-%D8%AE%D8%B7%D8%B1%D9%86%D8%A7%DA%A9-%D8%AF%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%87-%D9%82%D8%B7%D8%B1

 

نویسنده : dr.mohammad ajam : ۸:۱۱ ‎ب.ظ ; ۱۳٩٦/٤/۱٥
Comments نظرات () لینک دائم