بحرین مالح و عذب

د.إبراهیم عوض
أستاذ النقد الأدبى بآداب عین شمس


کنتُ أَعِسّ (بتعبیر ابنى) فى أرجاء المشباک منذ أیام فإذا بى أجد نفسى فى أحد المواقع وجهًا لوجهٍ أمام معجمٍ فرنسىٍّ عنوانه:
"Dictionnaire des religions et des mouvements philosophiques associés"،

فقلت: أَدْخُل وأُلْقِى نظرة لعلى أستفید شیئا، فوجدت عنوانا جذبنى إلیه هو: "Coran et Sience" بقلم کاتبٍ اسمه yohanfrais لم یسبق أن سمعت به، فوقفت أحملق قلیلا فى العنوان، ثم استجمعت عزیمتى وتوکلت على الله وشرعت أقرأ، فألفیت أن الکاتب یتناول النصوص القرآنیة التى یرى العلماءُ المسلمون أنها تتحدث عن موضوعات علمیة، واقفا أمام کل نص من هذه النصوص محللا إیاه لینتهى من التحلیل إلى أنْ لیس فى القرآن أىّ نص مما یمکن أن یقال عنه بحق إنه یتحدث عن موضوعٍ علمى. وفکرتُ فى ترجمة أحد الموضوعات التى عالجها الکاتب تحت العنوان المذکور والتعلیق علیه، واخترتُ الموضوع الخاص بما تتحدث عنه بعض آیات القرآن بشأن التقاء البحرین مع وجود برزخ یمنعهما أن یبغى أحدهما على الآخر. وهذه أولاً ترجمتى للنص المذکور:
"یتحدث القرآن فى ثلاثة مواضع منه عن حاجزٍ یفصل بین بحرین عَذْبٍ ومِلْحٍ یلتقیان دون أن یمتزج أحدهما بالآخر (الفرقان/ 53، وفاطر/ 12، والرحمن/ 19- 21).

وهذه هى النصوص المذکورة:
1- "مَرَجَ البحرین یلتقیان* بینهما برزخٌ لا یبغیان* فبأىّ آلاء ربکما تکذّبان؟" (الرحمن/ 19- 21).
وجدیر بالذکر أن کلمة "برزخ" المترجمة هنا بــ"zone intermediaire" تعنى: "فاصلا، حاجزا، خندقا، مانعا، عائقا، بوغازا".

2- "وهو الذى مرج البحرین: هذا عذبٌ فراتٌ، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وجعل بینهما برزخا وحِجْرًا محجورا" (الفرقان/ 53).

3- "وما یستوى البحران: هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ. ومن کلٍّ تأکلون لحمًا طریًّا، وتستخرجون حِلْیَةً تلبسونها. وترى الفُلْک مواخرَ فیه، ولِتبتغوا من فضله، ولعلکم تشکرون" (فاطر/ 12).

وحسبما یقول بعض المفسرین فإن هذه الآیات تکشف عن وجود مانع یحول دون اختلاط میاه الأنهار عند مصابها بمیاه البحار، لأن هذا الاختلاط لا یتم فى حالاتٍ معینةٍ إلا فى عُرْض البحر بعیدا عن الشاطئ. ومن الممکن أن یکون هذا صحیحا، لکنْ أَلَسْنا هنا بإزاء ملاحظة بسیطة لظاهرة طبیعیة یعرفها کل أحد، ألا وهى عدم اختلاط میاه دجلة والفرات بمیاه البحر مباشرةً عند مصبهما فى الخلیج الفارسى؟ ومن الممکن أن نلاحظ عند مدینة البصرة بالعراق کیف أن میاه دجلة العذبة تصبّ فى المحیط الهادى. وفى حالات المدّ العالى نشاهد طبقة مائیة مالحة ذات لون أخضر تلامس طبقة من ماءٍ عذبٍ ضاربٍ إلى الحمرة دون أن یکون بینهما أدنى امتزاج. ولا شک أن القارئ یوافقنى على أن هذا المشهد المثیر للاهتمام بالنسبة لنا الیوم لا بد أنه کان شیئا هائلا فى نظر أهل القرن السابع المیلادى!

والآن علینا أن ننظر فیما تقوله لنا الحکایة الأسطوریة البابلیة التالیة التى یرجع تاریخها لما قبل القرآن بثلاثة آلاف من الأعوام: "فى البدء لم یکن هناک إلا "نامُّو" التى کانت تتخذ صورة البحر الأصلى، أو فلنقل: المحیط الکونى. وقد أنجبت "نامُّو" هذه "أَنْ" (السماء)، و"کِى" (الأرض)... وأخیرا "أونکى" الإله الخاص بالماء العذب الذى کان یناوئ الماء الملح فى نامّو (البحر الأصلى)، فکان لا بد أن یُنْقَل إلى السماء على هیئة مطر".
ومن هذه الحکایة یتبین أن القرآن لم یکشف لنا شیئا فى الواقع! وإذا کان بعض المسلمین یزعمون أن هذه الآیات القرآنیة تکشف عن إحدى الحقائق العلمیة، فینبغى حینئذ أن نتخذ نفس الموقف إزاء الأساطیر البابلیة، وأن نستخلص أن ثمة وحیًا کان ینزل على البابلیین الوثنیین أیضا. إننى لا أتصور أنه ینبغى الوصول فى تفکیرنا إلى هذا المدى، بل کل ما علینا هو أن نکون شرفاء وأن نصرّ على القول بأن هذه الآیات لم تنبع إلا من ملاحظة بسیطة لظاهرة من الظواهر الطبیعیة تحدَّث عنها ناس آخرون ینتمون لحضارات سابقة على محمد بآلاف السنین.

کذلک لا بد من التنبیه إلى أن هناک مفسِّرین آخرین قد ذهبوا أبعد من هذا وادّعَوْا أن القرآن یکشف لنا هنا عن وجود طبقات مائیة یختلف بعضها عن بعض فى درجة حرارتها، وفى ملوحتها، وفى کائناتها الحیة، وفى مدى ذوبان الأوکسیجین فیها...إلخ. والآن لنفحصْ ما قاله القرآن: إنه یتحدث هنا عن عدم اختلاط الماء الحلو (العذب الفُرَات السائغ شرابه) بالماء المِلْح (الأُجَاج)، بید أنه لا یقول شیئا عن اختلاف درجات الحرارة أو الکائنات الحیة أو ذوبان الأوکسیجین. إن هذا کلام لا أساس له فى القرآن فى الوقت الذى یصف نفسه فیه بأنه تبیان وتفصیل لکل شىء، وأنه ما من شىء إلا وهو موجود فى آیاته.

إن القرآن إنما یتحدث عن ماء عذب سائغ شرابه، لکن هذا القول شىء، والقول بوجود بحار عذبة شىء آخر! ذلک أنه من الخطورة بمکان على البشر أن یعتقدوا فى مثل هذه الأشیاء، فشرب الماء المالح فى الواقع من شأنه أن یجعل الشخص عرضة للجنون... ومما لا ریب فیه أن البحث فى القرآن عن الحقائق العلمیة هو أمر لیس فى صالحه، وبخاصة إذا وضعنا فى الاعتبار ما قلناه قبلا من أنه إذا استمر البعض فى الزعم مع ذلک بوجود إشارات علمیة فى القرآن، فینبغى أن نقف ذات الموقف من الأسطورة البابلیة، وهو ما یترتب علیه أن القرآن لم یُوحِ فى هذا المجال بشىء، وأنه لم یزد على أن ردّد ما قالته تلک الأسطورة قبله بما یزید على ثلاثة آلاف عام! وهکذا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى نفس النتیجة، ألا وهى أن الآیات القرآنیة لا تقدم لنا شیئا آخر غیر الملاحظة البسیطة لإحدى الظواهر الطبیعیة.

وفى الختام نحب أن نؤکد أنه خلافا لما یؤکده بعض المفسرین المسلمین فإن قراءة تلک الآیات یترتب علیها جهل وتخلیط من شأنه، إذا نظرنا إلیه على أنه معجزة علمیة، الإضرار حتى بحیاة الإنسان (جرّاء الاعتقاد بوجود بحار ذات ماء عذب). ولکن إذا أصر البعض مع ذلک على أن یَرَوْا فى هذه الآیات کشفا علمیا، فعلیهم فى هذه الحالة أن ینظروا إلى الحکایة البابلیة بنفس العین... وهکذا تُخْتَزَل المعجزة القرآنیة الوحیدة فلا تعدو أن تکون تکرارا لما سبق أن قاله الآخرون من قبل...".

وأول کل شىء نفعله بعد أن ترجمنا ما قاله الکاتب هو أن نبین الأخطاء المعرفیة والمنهجیة التى وقع فیها: فقد ذکر أن فى کتاب الله ثلاثة مواضع تتحدث عن حاجز یفصل بین بحرین عذبٍ وملحٍ یلتقیان دون أن یقع بینهما مع ذلک أى تمازج، وهى: الفرقان/ 53، وفاطر/ 12، والرحمن/ 19-21. ونظرة سریعة إلى الآیات التى استشهد بها تدلنا على أنه لا توجد فى سورة "فاطر" أیة إشارة إلى الحاجز المذکور، إذ الکلام فیها مقصور على الاختلاف الملاحَظ بین ماء البحر وماء النهر. ومع ذلک فهناک فعلا نص ثالث فى القرآن الکریم یشیر إلى وجود مثل هذا الحاجز لم یذکره الکاتب، ألا وهو قوله تعالى فى الآیة 61 من سورة "النمل": "أَمْ مَنْ جعل الأرضَ قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسىَ، وجعل بین البحرین حاجزا؟ أأله مع الله؟بل أکثرهم لا یعلمون"، فهذه واحدة.

أما الثانیة فهى مقارنة الکاتب بین ما جاء فى الأسطورة البابلیة وما ذکرته النصوص القرآنیة، والخروج من ذلک بأن القرآن لم یأت بشىء جدید، فها هى ذى الأسطورة البابلیة قد سبقته منذ بضعة آلاف من الأعوام إلى هذا الذى قال. والواقع أنه لا وجه للمقارنة بین النصین، فالحکایة الخرافیة تتحدث عن خلاف بین الماء المالح والماء العذب استتبع رفع الماء العذب إلى طبقات الجو العلیا وتحویله إلى أمطار. فأین فى القرآن ما یمکن أن نقارن به هذا الکلام؟ إن القرآن یتحدث عن إجرائه تعالى البحر والنهر بما یؤدى إلى التقائهما، ولکن دون أن یطغى أحدهما على الآخر. وهذا شىء مغایر تماما لما جاء فى الخرافة البابلیة، وهو من الوضوح بمکان، ولا أدرى کیف سقط الکاتب الهمام فى هذه الغلطة! ثم هل الماء العذب مقصور على طبقات الجو العلیا؟ فماذا نقول فى الأنهار والجداول والآبار والعیون إذن؟

وهنا نأتى إلى الخطإ الثالث الذى ارتکبه المؤلف، وهو ما فهمه من أن الآیات القرآنیة تتحدث عن التقاء بین النهر والبحر دون أن یتم بینهما امتزاج، وهذا الزعم أیضا لا وجود له فى القرآن. القرآن یقول إنه قد جعل بین البحرین (أى البحر والنهر) حاجزا أو برزخا یمنعهما من طغیان أى منهما على الآخر، لکنه لم یقل إنه لا یحدث بینهما امتزاج عند اللقاء. وسوف أوضح هذا المعنى فیما بعد، لکنى أحب أن أرکز هنا على أن الکاتب قد نسب للقرآن ما لم یقله القرآن! لقد فهم النصَّ القرآنىَّ خطأً أو اعتمد على ترجمةٍ فهم صاحبُها ذلک النصّ فهمًا خاطئًا، فکان أَنْ خطّأ القرآن الکریم، والقرآن من الخطإ براء! وقد یکون تعمَّد هذا تعمُّدا!

وهناک خطأ رابع وقع فیه الکاتب أیضا، وهو محاسبة النص القرآنى على أساسٍ من فهم بعض المفسِّرین المسلمین کما قال. ولعله یقصد د. موریس بوکاى الطبیب الفرنسى المسلم الذى فسّر الآیات القرآنیة المذکورة على أساس أن المقصود بالبحرین هما دجلة والفرات من جهة، والخلیج العربى من جهة أخرى، وسوف أعود إلى هذه النقطة لاحقًا (انظر موریس بوکاى/ القرآن الکریم والتوراة والإنجیل والعلم/ دار المعارف/القاهرة/ 1982م/ 205). ولیس فى النصوص القرآنیة ما یُفْهَم منه أن ذلک هو معنى البحرین الواردین فیها، ومن ثَمَّ فلیس للکاتب أى عذر فى التهکم الذى وجَّهه للقرآن حین أکد أن ما یقوله الکتاب الکریم فى هذا الشأن لا یزید عن ملاحظةٍ بسیطةٍ جدا لظاهرة طبیعیة یمکن کلَّ من یقف عند مصب هذین النهرین فى الخلیج العربى أن یلاحظها، وأن الخرافاتِ البابلیةَ قد سبقت القرآنَ إلى هذه الملاحظة منذ آلاف السنین، فلا إعجاز إذن ولا یحزنون!

ثم خطأٌ خامس، وهو أن کاتبنا یشیر إلى مسألة وجود طبقتین من الماء فى حالات المدّ العالى إحداهما طبقة مالحة خضراء اللون تلامس طبقة عذبة مائلة للحمرة دون أن تمتزج بها بوصفها أمرا یستطیع الرجل العادى أن یلاحظه بسهولة، وهو ما لا أظنه أبدًا صحیحا، وإلا لذکره کل إنسان، ودعنا من أنه کان من سکان البصرة فى أیام ازدهار الثقافة الإسلامیة علماء أجلاء وشعراء وأدباء کمحمد بن سیرین (مولى أنس بن مالک) والحسن البصرى وعمرو بن عبید والفرزدق وجریر وقَطَرِىّ بن الفُجَاءة ورؤبة بن العجّاج وبشار وأبى نُوَاس وابن المقفَّع والأصمعى والمفضَّل الضّبَّىّ والخلیل بن أحمد وسیبویه والنظّام وواصل بن عطاء والجاحظ وابن سلام وابن قتیبة وابن دُرَیْد والباقلانى مثلا ممن لم یکن من الممکن أن تفوتهم ملاحظة مثل هذه الظاهرة لو کان إدراکها سهلا إلى هذا الحد الذى یصوره لنا الکاتب، وبخاصة أنها کانت بالنسبة للقدماء أمرا هائلا کما یقول. والحقیقة أن هذه الملاحظة لم یتنبه لها إلا العلماء فى العصر الحدیث بعد رحلات وأبحاث ودراسات مضنیة استعانوا فیها بآلات التصویر الحرارى التى لم یکن لها أى وجود قبل القرن العشرین حسبما کتب العلماء المسلمون فى هذه المسألة على ما سیأتى بیانه، ولولا الصورة المرفقة لحالة المدّ المشار إلیها لما دار ذلک بخاطرى، أما بالنسبة للقدماء فلم تکن لتلفت أنظارهم لأنها لیست مما یُدْرَک بالعین المجردة على خلاف ما یحاول الکاتب أن یوهم قراءه. وحتى لو غالطنا أنفسنا کما یرید منا وقلنا إنها قد لفتت منهم الأنظار، فکیف یا ترى کان لهم أن یعرفوا أن اللونین المختلفین یمثلان طبقتین من الماء إحداهما حلوة، والأخرى مالحة؟ وعلى أیة حال فلم یکن الرسول من سکان منطقة البصرة حیث کان من الممکن أن یشاهد هذه الظاهرة لو کانت مشاهدتها ممکنة بالنسبة للرجل العادى فعلا کما یزعم الکاتب، بل کان علیه السلام من سکان مکة آنذاک، ومن ثم فلا یمکن أن یقال إنه فى هذه النصوص القرآنیة قد تکلم عن ملاحظة بسیطة لظاهرة طبیعیة یعرفها کل أحد!

والواقع أنى لم أکتف بهذا، بل ذهبتُ فقلّبت کل ما أتیح لى من "معاجم البلدان" وقرأت ما کُتِب فیها عن "البصرة" ونَهْرَیْها لعلى أعثر على ما یمکن أن یُفْهَم منه، ولو على سبیل التأویل والتمحُّل البعید، أن أجدادنا قد لاحظوا هذه الظاهرة التى یصرّ الکاتب فى جرأة عجیبة على أنها مما تراه العین العادیة للرجل العادى، فلم أجد شیئا بالمرة. ومن الکتب التى راجعتُها لهذا الغرض: "المسالک والممالک" لابن خرداذبة (من أهل القرن الثالث الهجرى)، و"الأعلاق النفیسة" لابن رستة (من أهل القرن الثالث الهجرى أیضا)، و"معجم البلدان" لیاقوت الحموى (من أهل القرنین الساس والسابع)، و"أحسن التقاسیم فى معرفة الأقالیم" للمقدسى (من أهل القرن السابع)، و"آثار البلاد وأخبار العباد" للقزوینى (من أهل القرن السابع أیضا)، و"الروض المعطار فى خبر الأقطار" لمحمد بن عبد المنعم الحِمْیَرى (من أهل القرنین السابع والثامن)، و"مسالک الأبصار فى ممالک الأمصار" لابن فضل الله العُمَرى (من أهل القرن الثامن الهجرى) و"Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia" لــJ. G. Lorimer (من أهل القرنین التاسع عشر والعشرین المیلادیین).

ولقد تناول کلامُ هؤلاء الکتاب عن البصرة موقعَها وتاریخَها وجوّها وأنهارَها وأطعمتها وسکانها ومشاهیرَها وحیوانها وطیورَها ومَدّها وجَزْرها وما قیل فى مدحها وذمها، لکنى لم أقرأ کلمة واحدة، کلمة واحدة یتیمة، عن تلک الظاهرة التى ادَّعى الکاتب أنها مما لوحظ من قدیم الزمان قبل القرآن ببضعة آلاف من السنین، رغم أن بعض هؤلاء الکتاب قد أورد فى الحدیث عن مدّها وجَزْرها الخرافات والأساطیر مثل المقدسى، الذى نقل ما سمعه من أن ثمة مَلَکًا إذا وضع إصبعه فى النهر حدث المدّ، وإذا رفعه جاء الجَزْر، أو أن الحوت إذا أخذ نفَسا سحب الماء إلى منخریه فکان الجَزْر، فإذا أخرجه کان المدّ" (المقدسى/ أحسن التقاسیم فى معرفة الأقالیم/ ط2/ بِرِیل/ 1906م/ 3)! بل لقد تحدث القزوینى عن ملوحة ماء البصرة قائلا: "وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر الفارسی فیصیر ملحا" (القزوینى/ آثار البلاد وأخبار العباد/ دار صادر ودار بیروت/ 1389هــ- 1969م/ 309)، أى أنه قد اقترب تماما من النقطة التى نتحدث عنها الآن، ورغم هذا فإنه لم ینبس بأى شىء مما یزعم الکاتب أنه ظاهرة طبیعیة بسیطة لاحظها القدماء بکل سهولة، ولیس فیها ما یمکن أن یُعَدّ إعجازا بحال! إن الزعم أمرٌ هیّن الشأن لا یکلف صاحبه شیئا، بخلاف البناء والتثبت، فإنه یتعب من یرومه ویجشّمه من أمره جهدا ومشقّة ونَصَبا. إن کاتبنا لم یکلف نفسه أکثر من أنه ترکها تزعم ما یحلو لها دون أن تقدِّم على ما تقول أى برهان، وهو أمر لا یعجز عنه أى شخص مهما یکن حظه من العلم، أو فلنقل بالأحرى: مهما یکن حظه من الجهل. کل ما هنالک أنه ینبغى أن یتدرع بالاندفاع واللامبالاة، ثم لا علیه بعد ذلک من شىء! أما الذین یحرصون على سمعتهم ویلتزمون بقِیَم الدین والعلم والخلق الکریم فلا یستطیعون أن یخطّوا حرفا إلا بعد اللَّتَیّا والتى خشیةَ الخطإ وتحرُّزًا من الوقوع فى التدلیس. وصدق المثل القائل إنّ رَمْى حجر فى بئر لا یحتاج إلى أکثر من مجنون واحد، أما إخراج الحَجَر من البئر فیحتاج إلى ألف عاقل!

ثم یضیف الکاتب أن من المسلمین من یقول بوجود بحارٍ ذات ماء عذب صالح للشرب ( eau de mer potable)، قائلا إن الاعتقاد بهذا والشرب بناء علیه من ماء البحر المالح یؤدى إلى الجنون. ولست أدرى من أین أتى الکاتب بهذا الکلام الذى ینسبه لبعض المفسرین المسلمین. لقد کان ینبغى أن یذکر لنا أسماء من قالوا بذلک ویحدد السیاق الذى ورد کلامهم فیه، وعلى أى أساس قالوه. أما أن یترکنا فى عمایة من الأمر متصورا أننا ینبغى أن نلقى إلیه بمقالید طاعتنا ونصغى إلیه أسماعنا وأفئدتنا دون دلیل أو توضیح فأمر لا یصحّ، ومن شأنه أن یدفعنا إلى تکذیبه فیما یقول نظرا لغرابته البالغة، إذ لا یعقل أن یکون بین المفسرین المسلمین فى العصر الحدیث ولا فى أى عصر آخر من یُقْدِم على کتابة هذا الکلام المضحک مهما تبلغ قلة بضاعته من المعرفة.

إن هذا الکلام یعرف کذبَه أىّ عامىٍّ فَدْم، فما بالنا بمن یتصدى لتفسیر کتاب الله المجید؟ ولقد رجعتُ إلى ما نشره "موقع الإیمان على شبکة الإنترنت" فى هذا الموضوع فوجدت ما أورده الکاتب المذکور وعمل على تفنیده من تفسیر علماء المسلمین المعاصرین للآیات القرآنیة التى نحن بصددها، لکنى لم أعثر البتة على أى شىء یومئ من قریب أو من بعید ولو على سبیل التوهم إلى ما یمکن أن یُفْهَم منه أنهم یقولون بوجود بحارٍ (بحارٍ کالبحر المتوسط أو البحر الأحمر أو بحر قزوین أو خلیج المکسیک أو المحیط الهندى أو الأطلسى مثلا) ذات میاه عذبة، بل الذى قالوه، وهو صحیح مائة فى المائة على ما سنوضّح لاحقا، هو أن کلمة "البحر" قد تُطْلَق فى لسان العرب على ما نسمیه عادة: "النهر". وهذا غیر ذاک کما هو واضح، لکن الکاتب إما أنه لم یفهم کلامهم، وهو ما أستبعده لأنه قد فهم بقیة ما قالوه فهما سلیما یدل على أنه یعرف ماذا قالوا بالضبط سواء اطّلع علیه مباشرة فى لغته الأصلیة أو ترجمه له مترجم، وإما أنه فهم هذا الکلام لکنه أراد السخریة والتشکیک فیما قالوه برُمّته لینعکس ذلک على نظرة قارئى کلامه للقرآن أیضا، وهذا ما أرجّحه.

وقد استخدم القرآن کلمة "البحرین" للدلالة على ما نعرفه الآن بــ"النهر والبحر"، إذ "البحر" فى اللغة العربیة "هو الماءُ الکثیرُ، مِلْحًا کان أو عَذْبًا، وهو خلافُ البَرِّ، أو هو المِلْحُ فَقَطْ، وقد غَلَب علیه حتى قَلَّ فى العَذْب" حسبما نقرأ فى "لسان العرب" و"تاج العروس" وغیرهما من المعاجم. وقد یکون الکتاب المجید استخدمها على سبیل التغلیب کقولنا مثلا: "العُمَران" لأبى بکر وعمر، و"الحَسَنان" للحسن والحسین، و"الأَبَوان" للأب والأم، و"القَمَران" للشمس والقمر، و"الأَسْوَدان" للتمر والماء. فقول علمائنا إن البحر قد یکون عذب الماء کما قد یکون مالحها هو کلام لا خطأ فیه، ولا یمکن أن یتوهم متوهم أنهم یقصدون أن الماء الملح یطفئ الظمأ حتى یخاف کاتبنا على البشر من هذا أن یصیبهم الجنون جرَّاءَ تصدیقهم لذلک الکلام وکَرْعهم من ثَمّ من هذا الماء، بل المقصود هو ما نعرفه الآن بــ"النهر"، وهذا کل ما هنالک. ونحن فى مصر کثیرا ما نطلق على "النهر" اسم الــ"بحر" کقولنا: "بحر النیل"، وفى قریتنا "کتامة الغابة" بمحافظة الغربیة نسمى الترعة الواصلة بین بلدنا وطنطا: "بحر عاص"، کما نسمى الترعة الأخرى التى تمر بالقرب من "شفاقرون" المجاورة لنا: "بحر شفاقرون".

وبالمثل نسمع الناس یقولون لفرع النیل القریب من "بسیون": "بحر القُضّابة" على اسم قریة "القُضّابة" التى تقع علیه، ولفرع النیل المارّ بدسوق: "بحر سیدى إبراهیم" على اسم إبراهیم الدسوقى الولىّ المعروف المدفون بالمدینة المذکورة، وللترعة التى تقوم على شاطئها قریة "سدیمة": "بحر سیدى أبو الیزید" على اسم "أبو الیزید البسطامى"، إذ فى اعتقاد أهل المنطقة أن الضریح الموجود فى تلک البلدة هو لذلک الصوفى المشهور. ویوجد فى القاهرة شارع اسمه "شارع البحر الأعظم"، کما یوجد فى طنطا شارع یسمَّى: "شارع البحر" إشارة إلى ما کان یوجد فى کل من المکانین من مجرًى للنیل. ولهذه الحکمة ذاتها کان العامة فى مصر یسمّون "البحر المتوسط": "البحر المالح"، وهو دلیل آخر على أن هناک فى أذهانهم "بحرا عذبا" مثلما أن هناک "بحرا مالحا". بل لقد وجدت بدر الدین العینى یستخدم هذه التسمیة فى کتابه: "عِقْد الجُمان فى تاریخ أهل الزمان" عدة مرات، ومرة واحدة على الأقل تسمیة "البحر المِلْح". کذلک استعمل نشوان الحمیرى هذه التسمیة الأخیرة فى "الروض المعطار فى خیر الأقطار" عند تعریفه بمدینة "الإسکندریة"، وذلک فى قوله: "مدینة عظیمة من دیار مصر بناها الإسکندر بن فیلبش فنسبت إلیه، وهی على ساحل البحر الملح". وبالمثل نقرأ فى "ثمرات الأوراق" لابن حجة الحموى أن ملک بحر الأردن خاف على ابنته من أردشیر حین أرسل یخطبها منه فــ" أرسلها إلى بعض الجزائر فی البحر الملح". وهذه مجرد أمثلة قلیلة. وإذا کانت کلمة "mer" الفرنسیة لا تعنى إلا البحر الملح، فینبغى ألا نحمّل لغة الضاد هذه المسؤولیة، فلکلّ لغةٍ أوضاعها التى کثیرا ما تختلف فیها وبها عن غیرها من اللغات کما هو معروف.

ومن الشواهد التى تجرى هذا المجرى قوله تعالى: "أُحِلَّ لکم صیدُ البحر وطعامُه متاعًا لکم وللسیارة، وحُرِّمَ علیکم صید البر ما دمتم حُرُما" (المائدة/ 96)، ومعروف أن السمک یخرج من البحر والنهر کلیهما لا من البحر فقط، وکذلک قوله عز شأنه: "قل: من ینجّیکم من ظلمات البر والبحر...؟" (الأنعام/ 63)، حیث وُضِع البحر مقابل البرّ مما یدل على أن المقصود به النهر والبحر معا. وقرأت فى "الحیوان" للجاحظ هذه العبارة: "ومررتُ به وهو جالسٌ فی یوم غِمق حارٍّ ومِدٍ، على باب داره فی شروع نهر الجُوبار بأردیة، وإذا ذلک البحر یبخر فی أنفه". فانظر کیف ذکر أولا "النهر"، ثم کیف سماه بعد ذلک: ""بحرا". وجاء فى "کتاب الصناعتین" لأبى هلال العسکرى: "ولولا کراهةُ الإطالة وتخوف الإملال لَزِدْتُ من هذا النوع، ولکن یکفى من البحر جرعة". والبحر هنا لا یمکن أن یکون إلا الماء العذب، فالإنسان لا یجرع إلا من النهر. وفى "الفرج بعد الشدة" للقاضى التنوخى نقرأ هذه العبارة: "فلا شدة أعظم من أن یُبْتَلَى الناس بمَلِکٍ یذبّح أبناءهم، حتى ألقت أم موسى ابنها فى البحر مع طفولیته، ولا شدة أعظم من حصول طِفْل فى البحر". ویقول الشابشتى فى وصف دیر القصیر بمصر من کتاب "الدِّیَارات": "وهو مطل على القریة المعروفة بشهران وعلى الصحراء والبحر. وهذه القریة المذکورة قریة کبیرة عامرة على شاطىء البحر، ویذکرون أن موسى، صلى الله علیه، ولد فیها، ومنها ألقته أمه إلى البحر فى التابوت". ویقول أیضا عن "دیر طمویه": "وطمویه فی الغرب بإزاء حلوان. والدیر راکب البحر، وحوله الکروم والبساتین والنخل والشجر. فهو نَزِهٌ عامرٌ آهل. وله فی النیل منظر حسن. وحین تخضر الأرض، فإنه یکون بین بساطین من البحر والزرع". وفى "فوات الوَفَیَات" لابن شاکر الکتبى أن توران شاه لمّا حاصرته ممالیک أبیه فى البرج عند المنصورة رمى بنفسه وهرب إلى النیل "ونزل فى البحر إلى حلقه" فقتلوه. والمقصود بــ"البحر" فى هذا کله: "النیل" کما هو واضح. وعندنا من الشواهد الشعریة الکثیر،

ومنها قول أبى الشیص الخزاعى:
بَحرٌ یَلوذ المُعتَفونَ بِنَیْله فَعْمُ الجَداول مُتْرَع الأَحواضِ

وقول ابن الرومى:
هو بحرٌ مِنَ البحورِ فُرَاتٌ لیس مِلْحًا ولیس حاشاه ضَحْلا

وقول ابن حَیّوس:
وَمَنْ جادَ بِالآمالِ عَنکَ فَإِنَّنی أَرى کُلَّ بَحرٍ مُذ رَأَیتُکَ جَدْوَلا

وقول ابن درّاج القسطلى:
وإِن أَرْفَهَتْ فِی بَحْرِ جُودِکَ شِرْبَها فَمِنْ ظِمْءِ عَشْرٍ فِی الهجیرِ إِلَى تِسْعِ

وقول البحترى:
بَحْرٌ مَتى تَقِف الظِماءُ بِمَورِدٍ مِنهُ یَطیبُ لَهُم جَداهُ وَیَعذُبِ

وقول الحیص بیص:
ولکنهُ بَحْرٌ یَلَذُّ لشارِبٍ ویُکرِمُ مَثْوىً من مُسِیفٍ ومُرْمِلِ

وقول ظافر الحداد الشاعر المصرى:
تأمَّلْتُ بحرَ النیلِ طولا، وخَلْفَه من البرکةِ الغَنّاء شکلٌ مُدَوَّرُ

وقول البوصیرى:
وَکلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّیَمِ

وقول المتنبى:
قَوَاصِدُ کافورٍ تَوَارِکُ غیره ومن قَصَدَ البحرَ استقلّ السواقیا

ثم کیف یمکن أن یتوهم متوهِّم هذا الذى یخشاه الکاتب (أو بالأحرى: هذا الذى یزعم أنه یخشاه)، ویذهب فیَعُبّ من الماء الملح عَبًّا؟ ویبقى تأکیده أن شرب هذا الماء یصیب الشخص بالجنون، ولا أعرف مدى صحة هذا الکلام من الناحیة الطبیة، وإن کنت أستغربه غایة الاستغراب، وبخاصة أنه من غیر المعقول أو المتصوَّر أن یستمر أى إنسان فى شرب ذلک الماء بمجرَّد أن یذوقه ویحس ملوحته! لکن الذى أنا متأکد منه أن الذى یَعُبّ من الماء الملح یکون قد أُصِیبَ بالجنون فعلا، وانتهى أمره والعیاذ بالله، لا أنه سیصاب به بعد الشرب، إذ لا یفعل ذلک عاقل بحال من الأحوال!

والآن نأتى لتفسیر الآیات المذکورة لنرى أفیها ما لم تکن العرب بل ما لم تکن البشریة کلها تعرفه أو لا، ونبدأ بقوله تعالى: "وهو الذى مَرَج البحرین: هذا عذبٌ فراتٌ، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وجعل بینهما برزخا وحِجْرًا محجورا" (الفرقان/ 53)، إذ هو من الوضوح بمکان بحیث لا یثیر مشاکل وخلافات حول المقصود بالبحرین هنا: أهما بحران مِلْحان أم بحرٌ عَذْبٌ وآخر مِلْح؟ وقد فسره بوکاى قائلا: "معروفةٌ تلک الظاهرة التى کثیرا ما نشاهدها عند عدم الاختلاط الفورى لمیاه البحر الملحة بالمیاه العذبة للأنهار الکبیرة. ویرى البعضُ أن القرآن یشیر إلیها لعلاقتها بمصبّ نَهْرَىْ دجلة والفرات، اللذین یشکلان بالتقائهمابحرًا، إذا جاز القول، طوله 150 کم هو شط العرب. وفى الخلیج الفارسی ینتج تأثیرُ المدّ ظاهرةً طبیعیةً هى انحسار الماء العذب إلى داخل الأراضى، وذلک یضمن رِیًّا طیبا" (موریس بوکاى/ القرآن الکریم والتوراة والإنجیل والعلم/ 205).

والحق أن هذا التفسیر، رغم احترامى الکامل للدکتور بوکاى، هو تفسیر غیر مقنع: فمن الناحیة اللغویة یصعب علىّ أن أوافق العالم الفرنسى على أن أداة التعریف فى کلمة "البحرین" هنا للعهد، الذى قیل على أساسه إن "البحرین" المذکورین هما شط العرب وبحر الخلیج الفارسی الذى یصب فیه. ذلک أن الآیات السابقة تتحدث عن الظل والریاح والماء والأنعام والأناسىّ، وهى مفاهیم عامة لا تشیر إلى ظلٍّ بعینه ولا ریاحٍ محدَّدة ولا أنعامٍ وأنَاسِىَّ مخصوصة، فلِمَ یقال إذن إن "البحرین" هنا هما بحران معینان (الخلیج وشط العرب)؟ إن السیاق الذى وردت فیه هذه الکلمة هو سیاق عام، ومن ثم فإن بلاغة الکلام تقتضى أن یکون "البحران" أیضا هنا هما "النهر والبحر" بإطلاق، أى أن "أل" فیهما هى "أل" الجنسیة لا العهدیة. وقد یظن قوم أن کلمة "فُرَات" الواردة فى النص القرآنى هنا تشیر إلى نهر الفرات، ومن ثم یستغربون قولى بعدم وجود قرینة تدل على أن السیاق هنا سیاق خاص لا عام، لکن لا بد أن نعرف أن کلمة "فُرَات" فى النص لیست عَلَمًا على النهر المعروف فى بلاد الرافدین، بل صفة للبحر الأول من البحرین المذکورین معناها "الشدید العذوبة". کذلک فماء النهر، مهما توغَّل بقوة اندفاعه إلى مدًى بعید فى داخل البحر أو المحیط واحتفظ أثناء ذلک بخصائصة وعذوبته، یختلط فى النهایة بمائهما ویتحول من ثم إلى ماءٍ ملحٍ أُجَاج. فظاهر الأمر إذن أن النهر یبغى فى البدایة على البحر (حین یشق ماءه الملح ویزیحه عن طریقه) لیعود البحر فیبغى فى النهایة علیه (حین یختلط ماؤه العذب بماء البحر الملح الذى یُفْقِده خاصة العذوبة ویعطیه بدلا منها ملوحته)، فأین البرزخ یا ترى والحِجْر المحجور؟

أما "المنتخب فى تفسیر القرآن الکریم" فإنه یقول، فى هامش خصَّصه للتعلیق على هذه الآیة، إنها ربما "تشیر إلى نعمة الله على عباده بعدم اختلاط الماء الملح المتسرب من البحار فى الصخور القریبة من الشاطئ بالماء العذب المتسرب إلیها من البر اختلاطا تامّا، بل إنهما یلتقیان مجرد تلاق: یطفو العذب منهما فوق الملح کأن بینهما برزخا یمنع بَغْىَ أحدهما على الآخر وحِجْرًا محجورا، أى حاجزا خفیّا مستورا لا نراه". لکن ثمة نقطة هامة یظهر أن کاتبَىْ هذا التعلیق، رغم جدته وطرافته بالنسبة لى على الأقل، قد أغفلاها، إذ إن الماء العذب والماء الملح اللذین یلتقیان فى الصخور على هذا النحو لا یمکن تسمیتهما: "بحرین". ثم إذا کان الماءان فى هذه الظروف لا یلتقیان، فإنهما فى عُرْض البحر یلتقیان ویتمازجان ویصبحان فى النهایة ماءً واحدًا کما قلنا من قبل.

یبدو لى، والله أعلم، أن البرزخ المذکور فى الآیة الکریمة هو القوانین التى بمقتضاها بَقِىَ کل من الماء العذب والماء الملح کلَّ هذه الدهور المتطاولة التى لایعلم مداها إلا الله، وسیبقى إلى أن یرث الله الأرض ومن علیها، کما هو لا یتغیر. فالأنهار تصب فى البحار والمحیطات، وکان المفروض، لو أن الأمر انتهى عند هذا الحد، أن یختلط الماءان اختلاطًا دائمًا فلا ینفصلا بعد ذلک أبدا، ویصبح کل الماء الموجود على سطح الأرض من ثَمَّ ماءً مِلْحًا. بَیْدَ أن التقدیر الإلهى قد شاء أن یقوم البَخْر بحمل ماء البحار والمحیطات فتسوقه الریاح لیسقط على الجبال وینحدر إلى الأنهار ماءً عذبًا کما کان...وهکذا دوالیک. وهکذا أیضا یبقى الماء العذب والماء الملح کما هما، ویتعایش البحران دون أن یبغى أحدهما على الآخر ویقضى علیه. فهذا هو البرزخ، وهذا هو الحِجْر المحجور فیما أفهم، والله أعلم. وهو، کما نرى، برزخٌ وحِجْرٌ غیر مادى.

إنه حاجز من قوانین لا من أحجار أو مسافات أو تضاریس. ومن الحزاجز المعنویة أیضا "برازخ الإیمان" التى جاء فى المعاجم أنها تفصل بین الشک والیقین أو التى تفصل ما بین أول الإیمان وآخره، والبرزخ الذى یفصل بین الدنیا والآخرة، و"الحِجْر" المذکور فى القرآن على لسان المشرکین: "وقالوا: هذه أنعامٌ وحرثٌ حِجْرٌ لا یطعمها إلا من نشاء"، أى محرَّم أکلها حسبما نصت الآیة الکریمة، والتحریم (کما هو معروف) حاجزٌ معنوى لا مادى. کما أن قوله تعالى فى الآیة 22 من سورة "الفرقان": "حِجْرًا محجورًا" معناه: "حرامًا محَرَّمًا"... وهکذا. ولهذا قالت المعاجم وکتب التفاسیر فى البرزخ الفاصل بین البحرین إنه حاجز خفىّ من قدرة الله. ولا ننس أن القرآن لم ینف التقاء البحرین رغم وجود البرزخ، بل قال بصریح اللفظ: "مَرَج البحرین یلتقیان* بینهما برزخٌ لا یَبْغِیان" کما جاء فى الآیتین 19- 20 من سورة "الرحمن". فالبرزخ موجود، ولکن الالتقاء حاصل أیضا لأن البرزخ فى النص القرآنى إنما یمنع بَغْى أحد البحرین على الآخر لکنه لا یمنع اللقاء بینهما.

وبنحو الذى قلناه فَسَّر الطبرى الآیتین المذکورتین فقال: "قَوْله: "هَذَا عَذْبٌ فُرَات"، الفُرَات : شَدِید الْعُذُوبَة. یُقَال : هَذَا مَاءٌ فُرَات، أَیْ شَدِید الْعُذُوبَة. وَقَوْله: "وَهَذَا مِلْح أُجَاج"، یَقُول: وَهَذَا مِلْحٌ مُرّ، یَعْنِی بِالْعَذْبِ الْفُرَاتِ مِیَاهَ الأَنْهَار وَالأَمْطَار، وَبِالْمِلْحِ الأُجَاجِ مِیَاهَ الْبِحَار. وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِکَ أَنَّهُ، مِنْ نِعْمَته عَلَى خَلْقه وَعَظِیم سُلْطَانه، یَخْلِط مَاء الْبَحْر الْعَذْب بِمَاءِ الْبَحْر الْمِلْح الأُجَاج، ثُمَّ یَمْنَع الْمِلْح مِنْ تَغْیِیر الْعَذْب عَنْ عُذُوبَته وَإِفْسَاده إِیَّاهُ بِقَضَائِهِ وَقُدْرَته لِئَلاّ یَضُرّ إِفْسَاده إِیَّاهُ بِرُکْبَانِ الْمِلْح مِنْهُمَا فَلا یَجِدُوا مَاء یَشْرَبُونَهُ عِنْد حَاجَتهمْ إِلَى الْمَاء، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَجَعَلَ بَیْنهمَا بَرْزَخًا"، یَعْنِی حَاجِزًا یَمْنَع کُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ إِفْسَاد الآخَر. "وَحِجْرًا مَحْجُورًا"، یَقُول : وَجَعَلَ کُلّ وَاحِد مِنْهُمَا حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَى صَاحِبه أَنْ یُغَیِّرهُ وَیُفْسِدهُ". على أن هذا التفسیر لا یمنع أن یدخل فیه التقاء ماء دجلة والفرات بماء الخلیج  بوصفه إحدى الحالات التى یتبدَّى فیها القانون الذى شرحتُه آنفا لا بوصفه الحالة الوحیدة المقصودة فى القرآن کما جاء فى کلام الدکتور بوکاى، فضلا عن أن التفسیر الذى ذکره یختلف عن تفسیرى أنا حسبما وَضَّحْت.

وفى رأیى المتواضع أن آیات سورة "الرحمن" تدل على نفس هذا المعنى، لکن کاتب مقال "البرزخ المائی بین البحرین" فى "موقع الإیمان على شبکة الإنترنت" یرى أن "البحرین" هنا بحران مالحان. وهذا نَصّ کلامه: "قال تعالى: "مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیَانِ* بَیْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا یَبْغِیَانِ* فَبِأَیِّ آلاء رَبِّکُمَا تُکَذِّبَانِ؟* یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (الرحمن/ 19- 22)، وقال تعالى: "وَجَعَلَ بَیْنَ الْبَحْرَیْنِ حَاجِزًا" (النمل/61). لقد توصل علماء البحار، بعد تقدُّم العلوم فی هذا العصر، إلى اکتشاف الحاجز بین البحرین، فوجدوا أن هناک برزخًا یفصل بین کل بحرین ویتحرک بینهما، ویسمیه علماء البحار: "الجبهة" تشبیهًا له بالجبهة التی تفصل بین جیشین. وبوجود هذا البرزخ یحافظ کلُّ بحرٍ على خصائصه التی قدرها الله له، ویکون مناسبًا لما فیه من کائنات حیة تعیش فی تلک البیئة. ومع وجود هذا البرزخ فإن البحرین المتجاورین یختلطان اختلاطًا بطیئًا یجعل القَدْر الذی یعبر من بحر إلى بحر آخر یکتسب خصائص البحر الذی ینتقل إلیه عن طریق البرزخ الذی یقوم بعملیة التقلیب للمیاه العابرة من بحرٍ إلى بحرٍ لیبقى کل بحرٍ محافظًا على خصائصه تدرج العلم البشری لمعرفة حقائق اختلاف میاه البحار وما بینها من حواجز:

اکتشف علماء البحار أن هناک اختلافًا بین عیناتٍ مائیةٍ أُخِذَتْ من البحار المختلفة فی عام 1284هـ- 1873م على ید البعثة العلمیة البحریة الإنجلیزیة فی رحلة تشالنجر، فعرف الإنسان أن المیاه فی البحار تختلف فی ترکیبها عن بعضها البعض من حیث درجة الملوحة ودرجة الحرارة ومقادیر الکثافة وأنواع الأحیاء المائیة. ولقد کان اکتشاف هذه المعلومة بعد رحلة علمیة استمرت ثلاثة أعوام، جابت جمیع بحار العالم. وقد جمعت الرحلةُ معلوماتٍ من 362 محطة مخصَّصة لدراسة خصائص المحیطات، وملأت تقاریرُ الرحلة 29.500 صفحة فی خمسین مجلدًا استغرق إکمالها 23 عاما. وإضافةً إلى کون الرحلة أحد أعظم منجزات الاستکشاف العلمی فإنها أظهرت کذلک ضآلة ما کان یعرفه الإنسان عن البحر.

بعد عام 1933م قامت رحلة علمیة أخرى أمریکیة فی خلیج المکسیک، ونشرت مئات المحطات البحریة لدراسة خصائص البحار، فوجدت أن عددا کبیرا من هذه المحطات تعطی معلوماتٍ موحَّدةً عن خصائص الماء فی تلک المنطقة من حیث الملوحة والکثافة والحرارة والأحیاء المائیة وقابلیة ذوبان الأکسجین فی الماء، بینما أعطت بقیةُ المحطات معلوماتٍ موحَّدة أخرى عن مناطق أخرى، مما جعل علماء البحار یستنبطون وجود بحرین متمایزین فی الصفات لا مجرد عینات محدودة کما علم من رحلة تشالنجر.

وأقام الإنسان مئات المحطات البحریة لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف فی هذه الخصائص یمیز میاه البحار المختلفة بعضها عن بعض. لکن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثیر قوّتی المد والجزر التی تحرک میاه البحار مرتین کل یوم، وتجعل البحار فی حالة ذهاب وإیاب، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التی تجعل میاه البحر متحرکة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحیة والداخلیة والتیارات المائیة والبحریة؟ ولأول مرة یظهر الجواب على صفحات الکتب العلمیة فی عام 1361هـ-1942م، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اکتشاف حواجزَ مائیةٍ تفصل بین البحار الملتقیة، وتحافظ على الخصائص الممیزة لکل بحر من حیث الکثافة والملوحة والأحیاء المائیة والحرارة وقابلیة ذوبان الأوکسجین فی الماء. وبعد عام 1962م عُرِف دورُ الحواجز البحریة فی تهذیب خصائص الکتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغیان أحد البحرین على الآخر فیحدث الاختلاط بین البحار الملحة، مع محافظة کل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلک الحواجز. ویبین الشکل التالی حدود میاه البحر الأبیض المتوسط الساخنة والمِلْحة عند دخولها فی المحیط الأطلسی ذی المیاه الباردة والأقل مُلُوحة منها.

وأخیرًا تمکن الإنسان من تصویر هذه الحواجز المتحرکة المتعرجة بین البحار المِلْحة عن طریق تقنیة خاصة بالتصویر الحراری بواسطة الأقمار الصناعیة، والتی تبین أن میاه البحار وإن بدت جسمًا واحدًا، إلا أن هناک فروقًا کبیرة بین الکتل المائیة للبحار المختلفة تظهر بألوانٍ مختلفة تبعًا لاختلافها فی درجة الحرارة. وفی دراسة میدانیة للمقارنة بین میاه بحر عرب و بحر عمان والخلیج الفارسی بالأرقام والحسابات والتحلیل الکیمائی تبین اختلاف کل منهما عن الآخر من الناحیة الکیمیائیة والنباتات السائدة فی کل منهما ووجود البرزخ الحاجز بینهما. وقد تطلب الوصول إلى حقیقة وجود الحواجز بین الکتل البحریة وعملها فی حفظ خصائص کل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة اشترک فیها المئات من الباحثین، واستُخْدِم فیها الکثیر من الأجهزة ووسائل البحث العلمی الدقیقة، بینما جَلَّى القرآنُ الکریمُ هذه الحقیقةَ قبل أربعة عشر قرنا.

قال تعالى: "مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیَانِ* بَیْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا یَبْغِیَانِ* فَبِأَیِّ آلاءِ رَبِّکُمَا تُکَذِّبَانِ؟* یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (الرحمن/ 19- 22)،
وقال تعالى: "وَجَعَلَ بَیْنَ الْبَحْرَیْنِ حَاجِزًا" (النمل/61)".

هذا ما جاء فى المقال المنشور على موقع "الإیمان على شبکة الإنترنت". والواقع أننى أمیل إلى تفسیر "البحرین" فى سورتى "الفرقان" و"الرحمن" بأنهما بحران مختلفان، وأوثر هذا التفسیر على القول بأن البحرین فى هذه السورة هما بحران مالحان کلاهما، وعلى هذا فإنى أرى أن البحرین فى آیات سورة "الرحمن" أیضا هما البحر العذب والبحر الملح. والسبب فى ذلک هو حرصى على أن یکون هناک انسجام بین آیات القرآن مراعاةً للسیاق القرآنى العام، إذ القرآن یفسّر بعضُه بعضًا کما هو معروف، وعلى هذا أرى أن تکون النصوصُ التى حددت البحرین بأنهما البحر العذب والبحر الملح حاکمةً على النصوص التى لم تحددهما. ولکنى رغم ذلک لا أستطیع أن أخطّئ من یقولون بهذا التفسیر مادامت الآیة تقبله على وجه من الوجوه، إذ لیس فى النص الکریم ما یجعل التفسیر الثانى مرفوضا، بل الأمرُ أمرُ تفضیلِ تفسیرٍ على تفسیرٍ کما أوضحت. أما الحجة التى استند إلیها من فسَّروا "البحرین" فى النص الأخیر بأنهما کلیهما بحران مالحان، وهى أن المَرْجان قد ذُکِر فیه، وهو لا یُسْتَخْرَج إلا من المیاه الملحة، فلست أراها حجة کافیة، إذ المَ

/ 0 نظر / 181 بازدید